الحلقة الثامنة

كتبهاسليم الديب ، في 21 أكتوبر 2007 الساعة: 15:13 م

ذكر سادسة القَنوات

وما بها من الهَنات

 

يسألونك عن السادسة، فأقول لهم بعد الاستغفار والحوقلة: أن تسمع بالمُعَيدي خير من أن تراه. نعم، هي معيديُّ الإعلام المغربي المعاصر، فقد استبشر كثيرون خيرا بظهور هذه القناة المغربية الخالصة المهتمة بـ"الحقل" الديني عفوا المجال الديني، لكنها كانت مثل شقيقاتها من قنوات دار البريهي وعين السبع.. ويلحظ أن كثرة كاثرة من المغاربة ولّوا وجوههم شطر الجزيرة وغيرها من القنوات العجيبة.. وسيقول قائل: ما لك يا هذا.. وكأني بك مستصغر للذات الإعلامية المغربية مستضعف لها منبهر بغيرها؟ صه، فلا تَعْدُ قولك ذاك؛ فقد أطلت الكلام، ولابد لك من الملام؟

الجواب: أما عن كوني -غفر الله لي ولك- مستحق للملام.. فها أنذا أبسط قولي، فَرَ فيه مقصودي، وقِفْ عليه وَقفات، لتَستبطِنَ ما يَعتَوِرُ سادسَةَ القنوات من الهَنات، ومعاذ الله أن أكون لهذه البلاد مستصغرا ومستضعفا، فأنا منها وهي مني، وحبُّ الوطن من الإيمان.. فاستمع قولي رحمك الله يا أخي، ولا تقطع أبهري..

كثرة الإنشاد والمنشدين

كنت كلما فرغت من الجزيرة وأخبارها، والمغربية وشجونها.. أنظر في السادسة التي لا تبتدئ إلا بعد لأي، فكلما فعلت ذلك وجدت –ويا للعجب- طائفة من شباب وكهول في حلقة منشدين.. وقد أكثروا من ذلك وبالغوا فيه أشد المبالغة.. حتى أنني كلما انتظرت برنامجا مفيدا قليلا أو كثيرا كانوا لي بالمرصاد.. ولو كذبتني أيها القارئ لهذه السطور، فارقب هذه القناة ليوم وليلة وستقف على الخبر اليقين.. ولو عمدت إلى حساب الوقت المخصص لهذه الإنشادات لوجدته يفوق نصف زمان القناة نفسها.. وهي والله بلية، وشر البلية ما يضحك. ومن وجه آخر، فما يضحك أن الوصلات الإنشادية نفسها تتكرر وتعاد إعادتها كل يوم، ووجوه المنشدين نفسها تتكرر أيضا، والديكور هو نفسه.. وكل شيء هو نفسه.. سيقول قائل: ما لك تنكر على المنشدين، أما لك مع الرقي بالوجدان والروح من تلاق؟ وأقول: معاذ الله أن أنكر على طائفة المنشدين هؤلاء، ولو كانت السادسة مقتصرة على فرقة واحدة منهم، لعلهم من الطائفة الحراقية، فما لهم لا يفسحون المجال لغيرهم من الطرق الصوفية.. ثم إن تغليب الإنشاد والمبالغة فيه حتى لَيُعَدُّ فريضة وهو ما دون السنة، يعدُّ من تغليب كمالي على أساسي، وفرعي على أصلي.. فلو اقتُصِرَ على نُبذٍ منه تكون قُلاًّ لا كُثرا، لكان أنجع، ولكن أن تميل الكفة إلى ذلك كله، فهو إسراف وتبذير وتضييع عمر.. فيا ليت القيّمين على السادسة فطنوا إلى ذلك، وراعوا المرامي والمقاصد فيما هنالك.. ولكن فاقد الشيء لا يعطيه، ومن ضاع لبّه لا خير فيه.. فالمواد المفيدة القيّمة البانية الرائدة كثيرة جدا، والملكة المغربية في الإبداع مما يشهد لها، ورحم الله القائل:

       إذا غاب ملاّح السفينة وارتمت  *    بها الريح يوما دبّرتها الضفادعُ

استعمال العربية الزجلية

ما دام أكثر من نصف مجتمعنا أميّا، أي يجهل القراءة والكتابة، وهو ما فشلت في معالجته كتابات دولتنا وكاتباتها.. فإن المعرفة بالعربية الفصيحة وفهمها من الاستحالة بمكان.. وقد كنت أرى في بعض وجوه العوام آناء خطبة الجُمع تعسرا على الفهم وأسفا وعدم اهتمام.. بسبب العربية المتعالية التي يلقي بها الخطيب خطبته.. وقد تفطن لهذه المشكلة بعض الفقهاء والخطباء الأمازيغ فكان ان عمدوا إلى إلقاء خطبتين أولاهما بالأمازيغية والأخرى بالعربية.. وهذا نعم الفعل، كما كان بعض الفقهاء يعظون الناس بلسانهم أي بالعربية العامية، إذ الكلام بها أقرب إلى ذهن العوام من العربية الفصيحة. ونحن لا ندعو إلى هذا من باب اطراح العربية الفصيحة لغة القرآن، بل إلى محاولة تبسيط الدين بلسان القوم. وهذا ما تفطنت له وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، فطلبت من وعاظها ومرشديها في السادسة مخاطبة الناس على قدر عقولهم ولغاتهم.. فانصرف بعضهم إلى محاولة إقحام العربية العامية في خطابهم، ولكنها للأسف لم تفي بمرادها، إذ جملة من هؤلاء الوعاظ لا يتقنونها إتقانا تاما، ولعلك تستغرب أيها القارئ عن مقالي بعدم اتقان العربية العامية من لدن كثيرين.. ولكن أقول أنها أيضا لغة كباقي اللغات، ومن الوعاظ من يفصح فقط العربية العامية أو يعمم العربية الفصيحة.. كيف ذلك؟ اعلم حفظك الله ورعاك، أن بعضا من هؤلاء الوعاظ في السادسة يستعملون ما نسميه بالعربية الزجلية ونعني بها إضفاء العامية على الفصيح، كما يفعل الزجالون أي نُظّام الزجل (الشعر العامي)، فيتحدثون بلغة غير معروفة عند العامي، لأنها لا توجد أصلا إلا في مخيلة الواعظ.. كما يفعل الزجّال الذي يستعمل كلمات لا توجد في الاستعمال اليومي للعوام.. إضافة إلى أن بعض الوعاظ امازيغ، فهو لا يتقن العربية العامية درجة كبيرة لذلك فهو يترجم خطابه من العربية الفصحى إلى العامية أو من الأمازيغية مباشرة إلى العربية الزجلية.. أو لعدم تمرس الواعظ في بناء وعظه بهذه اللغة.. ويا ليت المسؤولين استعانوا بوعاظ وخطباء ومرشدين لهم إلمام باللغة العامية واللغة الأمازيغية ولغات أخرىوهم موجودون مشتهرون في المساجد وتجد حلقاتهم غاصّة بالمستمعين.. فيتم مخاطبة كل جماعة بلغتها، ما دمنا كلنا مسلمين مؤتلفين لا مختلفين.

برودة الخطاب الديني

كثر الحدث عن الخطاب الديني بما هو خطاب إصلاحي توجيهي استنهاضي.. لكن يبقى الإشكال في طريقة تقديم هذا الخطاب بما يتلاءم مع نمط المتلقي وعصره.. وقد نجح إخواننا المشارقة في تقديم خطاب ديني إعلامي مختلف استطاع في عدد من القنوات المحسوبة على القنوات الدينية سنّ تواصل متميز مع المتلقين مما أثمر ظاهرة الدعاة الجدد أو الدعاة النجوم.. والحق يقال أنهم استطاعوا تجديد هذا الخطاب من حيث طريقة تقديمه إعلاميا.. لكن الحال في السادسة لا يسر، حيث لم يستطع الدعاة المغاربة التخلص من عقدة "ركن المفتي" وتداعياتها في شخصياتهم، وطريقة تسويقهم للبضاعة الدينية.. فكانت الخطابات الوعظية الإرشادية في غاية البرودة إلا من رحم ربك، نفس المواضيع ونفس القضايا المطروحة.. فمثلا يأتي أحد الفقهاء بكتاب في التفسير فيقرأ منه بالعربية ويمزج ذلك بالعامية ويأتي بتأويلات لا تسمن ولا تغني من جوع.. وذلك –والله أعلم- أشبه بخطبة جمعة تتحدث عن أهمية مادة "اليود" في حماية صحة الإنسان فيمل تموج الحياة اليومية للمواطن بالغلاء الفاحش والظلم ونهب المال العام.. أو بحرب مدمرة تشنها "إسرائيل" على لبنان.. بالله عليكم، هل يمكن بتلك الطريقة يُقدم الخطاب الديني.. بل هل بتلك الطريقة يمكن أن تواجه السادسة القنابل البشرية القابلة للانفجار في أي لحظة..؟ كيف يمكنك أن تقنع شابا -بصفتك فقيها أو داعية في السادسة- بعدم الانفجار من الناحية الدينية وأنت تسكت عن الظلم والقهر والفساد اليومي؟..

ومما يلحظ على فقهاء السادسة بما هي قناة رسمية مئة بالمئة ذلك التباعد والتنائي عن قضايا ونوازل ومسائل هي بنت يومنا وعصرنا، والاقتصار على العموميات الدينية.. كيف يعقل أن يكون التعامل بالمواد الربوية منتشرا كل هذا الانتشار في مجتمعنا ولا يتطرق إليه بالمناقشة والتحليل.. أو كيف يكون أكل نهب المال العام سمة من سمات وطننا ولا يهتم به من الوجهة الدينية.. وكيف يعيش المواطن العادي فقرا يوميا مميتا قاهرا فيما يتم التغاضي عن أسباب ذلك وغض الطرف عن فريضة الزكاة.. إن الناس يريدون خطابا دينيا ينتصر لمظالمهم لا خطابا دينيا يقنعهم بالصبر وينتصر لحكامهم.. لذلك فد ساءني الموقف السلبي من الفقيه المغربي في أوساط الناس الذين احتككت بهم، وقد كنت مدافعا وما زلت عنه، علمه وتقواه وتواضعه.. لكن أختنا في الله السادسة سوقت هذا الفقيه بصورة السلبية المتصلة بالنظرة "الركنية المفتية"، وحتى بعض الفقهاء والدعاة ذوي الشعبية في وطننا عبر السي دي والدي في دي والفي سي دي.. فلا يهتم بهم ولا ينظر إليهم.. لذلك فضل عدد من الناس مشاهدة عمرو خالد وعمر عبد الكافي ومحمد حسان وعائض القرني وسعيد العريفي.. وغيرهم على تحمل الإنصات لفقهاء السادسة المغلوبين على أمرهم.. والعجيب في الأمر –وهذا يدخل في سياق دفاعي عن الفقيه المغربي- أن فقهاءنا حينما يحلون ضيوفا على قناة مشرقية كالجزيرة مثلا تراهم طافحين علما وفقها وتواضعا يبهرون به نظراءهم.. وهي والله مفارقة وأي مفارقة.. والحديث ذو شجون..

ضعف الإمكانات

الخطاب البصري الإعلامي عمدته الصورة، وكذا الخطاب الفني.. فاسمعوا مني هذا المثال: أصيب عدد كبير من الذين تفرجوا على فيلم سينمائي عسكري أمريكي بخيبة أمل كبيرة نتيجة تصريح المخرج باعتماده على مروحية واحدة ودبابة واحدة فقط، في حين أن الفيلم يموج بعدد لا يحصى من المروحيات والدبابات.. انتهى. من هنا فالإمكانات البصرية في عصرنا مدعمة بالمعلوميات قد شكلت ثورة في مجال الإنتاج الإعلامي وغيره.. فماذا عن السادسة؟

ففي الوقت الذي نلفي فيه استوديوهات القنوات المشرقية خصوصا ما تعلق منها بالبرامج الدينية غاية في التطور والتقنية والإتقان نجد سادستنا المأسوف عليها مفتقرة إلى أستوديو يحترم المشاهد ويهتم به.. أستوديو سمته البؤس والكآبة.. من استعمال بعض خطوط الحاسوب البعيدة عن التفنن وكأننا لا نتوافر على خطاطين محترفين بإمكانهم إظهار سمات المدرسة الفنية المغربية في الخط. كما يتم اعتماد صور في الخلفية لا تمت بصلة للبرنامح المعروض إضافة إلى خلوها من أي سمة فنية معتبرة، وقد لحظت وأنا أتابع برنامجا حواريا مع أحد الأساتذة في كلية الآداب بالرباط والذي كثيرا ما يعاد ما أضحكني ولم يبكني، ذلك أن الضيف ومحاوره يضعان قدميهما على لا شيء.. كيف ذلك؟ إنهما لا يطيران، إذ لا يظهر أنهما يضعان قدميهما على الأرض.. لأن الذي تكلف بصنع خلفية للأستوديو لم يكن محترفا وكان أن ظهر بجلاء أن الضيف ومحاوره ليسا في ذلك الفضاء الذي أراده مخرج البرنامج.. أما بصدد الإخراج فيقع كثيرا أن يتجه المتحدث في برنامج بوجهه إلى جهة يرى فيها المشاهد قفاه لا وجهه.. ويقع كثيرا أن يخطئ صاحب الجينريك في برنامج حواري فيكتب خطأ اسم ضيف لم يحضر البرنامج فيما يسهو عن اسم الضيف الحاضر في الأستوديو.. ومما يلحظ أيضا أنه يتم الاستعانة ببعض الشركات لإنتاج برامج للسادسة، وبضاعتها في الإنتاج وإنجاز البرامج مجزاة.. حيث يستعين بمقدمي برامج لا خبرة لهم لا نصيب في المجال الإعلامي إضافة إلى اعتماد تقنيات في فن الديكور أقل ما يقال عنها أنها مضحكة.. حيث تسمع صوت العصافير المزقزقة أكثر من نص الحديث النبوي الشريف.. بل لأن وقت الزقزقة أطول من الوقت المخصص للحديث نفسه.. أما عن مقدمي برامج السادسة فالحق يقال أنهم في حاجة إلى تكوين طويل في هذا المجال، فليس ضروريا أن يكون مقدم البرنامج أستاذا أو دكتورا محاضرا جامعيا أكاديميا ليكون ناجحا في التقديم.. وما زاد الطين ب>لة طامة "العقدة" التي تتوسل بها السادسة لسد النقص.. وأتى حين من الدهر ببلية "المغادرة الطوعية" التي سرحت  عددا كبيرا من التقنيين والإعلاميين.. وكان يُنادى على بعضهم لإنقاذ ما يمكن انقاذه آناء عطب في الصوت أو الصورة.. وقد حكى لي حاكٍ أنه انتظر ساعة لتسجيل برنامج حواري معه نتيجة لعطب خارج عن إرادتنا.. فكان المذيع ينتقل من أستوديو إلى آخر حتى سجّل معه ما سجل بشق الأنفس.. فتأمل.

إن داء العطب في هذه القناة المأسوف عليها أسفا كبيرا أنها مترجّحة بين سُلطتين: السلطة المخزنية والسلطة الإعلامية. ويفسر ذلك تسميتها باسمين: الأول: قناة السادسة؛ والثاني: قناة محمد السادس للقرآن الكريم. إنها قناة برأسين، بل بِلِسانَيْن، وهذا يصرف أفكارنا نحو الشبه بينها وبين لسان الأفعى ذي اللسانين، مما يحيل على صفات الخِلابَة (الخداع بالقول اللطيف) والقدرة على التنصل والمرواغة.. هذه صفات لا نطلقها على القناة المزدوج اسمها.. حاشا بل هي تنطبق على لسان الأفعى.. ألا تخدع الأفعى بالقول اللطيف (الفحيح) قبل اللدغ..؟

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر