-الحلقة السادسة-
كتبهاسليم الديب ، في 26 يوليو 2007 الساعة: 15:51 م
التخوُّف من رجال التصوُّف
وأخبارُ أبي العباس المُرّاكشي
أما بعد، فإنه لم يَخْلُ زمانٌ من ولي من أولياء الله تعالى يحفظ الله به البلاد، ويرحم به العباد، وكانت منهم طائفة عظيمة بأقصى المغرب، أُهملت أخبارهم، وجُهلت آثارهم، حتى ظن من لا علم له بهم أنه لم يكن منهم بأقصى المغرب أحد، وأنه استبعد أن يكون به ولي أو وتد، هيهات هيهات ليس الأمر كذلك، فاطلب تجد." [التشوف إلى رجال التصوف، تحقيق: أحمد التوفيق، ص. 31.]
نعم أُطلب تجد، ألستَ القائل في ما سلف:"حللتَ أهلا، ونزلتَ سهلا، فأنت في بلاد الوَلِيّ، أقبِلْ ولِجْ بقلب صَفي". فالولي في كل مكان تثقفه، وفي كل زمان تجده، وهذا مشروط بتحولات النواميس والقوانين والأمزجة.. وما إليه مما يتحوَّل، سبحان من يُحوِّل ولا يتحوَّل. فالولي في كليته إنما هو وليد التصوف بما يعنيه من تقوى واستقامة وزهد.. أي الاتصال الوثيق بدين الإسلام.. أليس ابتغاء المتصوف الوصول إلى الحضرة الإلاهية؟ ولنَرَ مع التادلي صدق نظريته في استمرار الولاية الصوفية بهذي البلاد وعدم انقطاعها. فما دام التصوف ماتًّا إلى الدين بوثاقة وثقة فلِمَ هذا العنوان الغماز اللماز:"التخوف من رجال التصوف"، وعهدي بك أيها الكاتب عاقلا راشدا غير ذاهل، فأبعِد هذا المسمى، عن مكتوبك هذا الغير المعمى، وأفصح ولا تُشكل.
فإن قلت إن هذا العنوان الموسوم بـ "التخوف.." فيه إغراب لا تصريح، قلت: لعلك لم تفهم مقصَدي، ولم تقف على كلامي الذي به أشي، فاستمع مقالي رحمك الله وعِ كلامي وَرَ مكتوبي.
لعلك سمعت بهذه الطائفة في بلاد المغرب الأقصى التي ظهرت ونسبت نفسها ورجالاتها إلى التصوف وهو منها براء براءة الذيب من دم يوسف، رجال تلهيهم تجارة ولهو عن ذكر الله، ينتسبون إلى جملة من الطرق الصوفية التي غدت من الكثرة بمكان، وهذه الكثرة مجازة إذ هذا الجنيد نظّارهم قال:"تعددت الطرق إلى الله بتعدد أنفاس البشر." وهب كثرة في عرفي مُفسِدة للتصوف والدين عارجة به على غير مبتغاه.. فانظر ما يقول اليوسي رحمه الله في ذلك، خصوصا في حديثه عن الطائفة العكازيّة الضالّة. فلنرجع إلى الحديث عن الطرق في هذي البلاد، وقد قلّ مريدوها وفقرائها عما كانوا من قبل، لكن إرادة صاحبنا أبي العباس المراكشي كانت هي استرجاع التصوف كما كان، وتقديس ماضي الصوفية والانتصار لهم ولخرافاتهم وأباطيلهم وترهاتهم وشعبذتهم.. والتاريخ سجَّل على كثرة كاثرة منهم ضلالات كثيرة لم يأتها الكفرة والملاحدة والزنادقة.. أليس متصوفة ماضينا ممن أباحوا المحرمات وأسقطوا الصلوات والفرائض وباحوا بالكفر الصراح، وخاضوا في مسائل لا جدوى منها وسوّدوا آلاف الصفحات التي لا تفيد في تصحيح عقيدة ولا تغيير منكر ولا إحياء سنَّة.. ولعمري إن أبا العباس هذا وأضرابه من المرتزقة والمتفقَّهة وبعض المتأدبة مغترّون بالمتصوفة القدامى ومتغافلون عن زلاتهم الكثيرة الكثيرة.. فيقدسونهم تقديسا كبيرا ويشجعون الاحتفاء بقبورهم وأضرحتهم فيقيمون عليها الدرابيز والأثواب الفاخرة المذهّبة والبناءات المنقوشة الفخيمة.. وذاك من الشرك الظاهر القائم على عبادة القبور أكثر من باعث العباد من القبور يوم النشور.. فقد شاهدنا ووقفنا بنفسنا على عدد من هؤلاء يطوفون بأحد المقبورين في زاوية طواف الحجاج بالكعبة داعين المرموس ومقبلين دربوزه ومتمسحين به لكي يحقق لهم بغيتهم. ولعمري فقد عمت البلوى بهذا الشرك المعاصر في زماننا وترى أحد أعلام فاس المشاهير يؤلف في ذلك كتابا مثل "سلوة الأنفاس" في الاحتفاء بطائفة من المهووسين والمرضى والمشعوذين والمجانين ممن يسمون بالمجاذيب والبهاليل والمتجردة.. فيحتفي بهم ويمجِّدهم ويقدسهم.. فيأتون الكبائر والصغائر: يدخنون وينيكون البهائم في قارعة الطريق ويكشفون عوراتهم ويأتون المنكرات ما ظهر منها وما بطن.. ويضع صاحب السلوة ذلك كله في سياق "إسقاط التكليف". وسيقول قائل إن هذا صحيح.. ونقول: أنظر ردا على ما قلت مقدمة "السلوة" حيث يعترف فيها مؤلفها لأحد أصحابه بمكة بأنه لو قيض الله إعادة تنقيح السلوة لما نشرها على هذا الشكل المعروف.. وأكثر من هذا أن أبا العباس الوزير وبطانته ينتصر من دون علمه للثقافة العامية "ثقافة السَّفِلَة" البعيدة عن تعاليم الدين على الثقافة العالمة السنيّة التي قادها العلماء الجهابذة.. وذلك لغرض، إذ بات معروفا في بلادنا هذا التهافت على التصوف من لدن الخاصة، وخاصة البوتشيشية، فقد سرى إلى علمنا تَبَتْشُشُ (نسبة إلى الطريقة البوتشيشية) الكثير منهم لتبتشش أبي العباس هذا منذ زمان.
نعم، ليس المتصوفة جسدا واحدا، وغلا فإن حكمنا عليهم فيه تجنٍّ كبير، نعم فيهم العلماء الصلحاء الربانيون الذين حاولوا جهدهم في الإصلاح.. لكن ثمة طوائف من أهل الضلال الذين خلبوا بسمتهم خاصة الخاصة والخاصة والعامة بسمتهم وكلامهم.. بدعوى رؤية النبي يقظة والمشي فوق الماء والطيران في الهواء والإتيان بشيء في غير أوانه وتطوية الأرض والتحكم في الريح والبحر والشجر والحجر.. ومخاطبة الحيوان وغير ذلك مما لا يصدقه عقل ولا برهان والذي يدخل فيما يسمونه بالكرامات.. فهل يستطيع أبو العباس هذا أن يذكر في خطاباته طائفة العكاكزة الضالة التي بلغت حدا من الضلال في المغرب لم يبلغه غيرها إلى حد أنها صارت نحلة لا طريقة لكنها خرجت من رحم التصوف.. بحيث أسقط مريدوها عددا من الصلوات وأباحوا الفطر في رمضان والزنا وشرب الخمر.. ومما أثبته التاريخ عنهم أنه إذا أراد شيخ منهم أن يختبر مجاهدة مريده ومقدار تصوفه أمره باصطحاب زوجته إليه فكان يأتيها (يمارس عليها الجنس بلغة زماننا) أمام زوجها وليس وحده فقط بل عكاكزة آخرون!! ثم هل يستطيع الوزير أبو العباس أن يأتي بنص شرعي يجوز الحضرة الصوفية التي هي رقص وأي رقص في بدايته ونهايته.. يتحلقون في حلقة كل يمسك يبد صاحبه ويرقصون على صوت طبل كبير أو من دونه فيقف أحدهم في وسط الحلقة التي يدعونها حضرة فيسيل اللعاب من فمه والمخاط من أنفه وربما تسيل أشياء أخرى لا نراها.. ويدور ويدور إلى أن يسقط بدعوى الوصول إلى الحضرة.. إلى غيرها من الضلالات كالمكاشفة والخرق والمحبة والصعود.. والدين منها براء. فهل كان نبينا صلى الله عليه وسلم يرقص ويغني ويتمايل.. حاشاه صلى الله عليه وسلم فقد نزَّهه مولاه عن ذلك.
وهل جاءك حديث الربيعة عندهم، وهي التي تحدث بسببها حروب فمن رغبت فيه دبَّ على الأرض، ومن رغبت عنه (ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ) النحل: 58. الربيعة أي الصندوق الكبير الكائن بالزاوية في الغالب وفيه يدع المتصوفة ودائعهم النقدية الكبيرة من فئة الورقات الزرقاء.. يطوفون حول القبر في حركة دائرية كأنه كعبتهم، ولا يبخلون في مثل هذا الموقف الجلل ويا ليت أحدا يخبرني بعدد المال المتحصل في الربيعة.. وإنه لا جَرَم مال كثير..
أما الزاوية وما أدراك ما الزاوية فتلجها وكأنك في فندق فخيم مكيف الهواء وثير الفراش طيب الرائحة، خفيض كلام زواره، خاشعة قلوب رواده، كأنهم في صلاة خاشعة، وما هي بالصلاة ولا بالخاشعة.. وإن هذا كله إسراف وتضييع عمر، أليس حريًّا بهذا المال الذي يبذر على ضلال وشرك أن يعم نفعه الأحياء لا الأموات فهم أحق به وأنفع لهم في معاشهم ومعادهم.. وإذا ظهر السبب بطل العجب، فهذه الزاوية والتصوف عامة اليوم في هذي البلاد مطية لأكل أموال الناس بالباطل من لدن أبناء هؤلاء المقبورين أو أحفادهم أو بعض المتسلقة المتملقة المدعين.. وإذا أردت أن تعرف مغبة ذلك فانظر في حياتهم وهيأتهم كيف هي..؟ ما بين سكّير خمّير، وفاسق ضِلّيل، وعاص لاهٍ تارك للصلاة والأركان، مجاهر بالفحشاء والمنكر مصداقا لقوله تعالى:{فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً} مريم: 59. وهذا أحد المتصوفة المساكين يقول:"أبكاني الفقراء لم يقوموا حتى بالصلوات الخمس!"
وهذا غيض من فيض ضلالات التصوف الذي يبشر به الوزير وبطانته، إذ هو من المنتسبين إليه، مع طائفة ممن يوسمون بأنهم فلاسفة ومفكرون وجامعيون.. بدعوى أن من لا شيخ له فشيخه الشيطان.. ويمكن أن يجد الإنسان شيخا ولكنه في حقيقته شيطان تلبَّس بشيخ.. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
فما قولك أيها القارئ فيما سلف، فإن قلت إنني متجنٍّ منتقد بلا دليل، قلت: إن أردت تذييل مقالي بدليل ساطع فانظره في سيرة أحد الكبراء المحسوبين على التصوف وهو الوزير المومى إليه قبل، أليس أحد زعماء زاوية البوتشيش، التي ليس فيها غير الدشيش، أنظره كيف يوظف خلانه ومعارفه من دون وجه حق، ويهمل الأئمة الجدد المتخرجين ويملأ المساجد بالتلفزات ويهدي أرض المسلمين لأحد العِلْيَةِ المبجّلين ويكذب أمام الملأ ويراوغ للتملص من زلته إنها زلة وأي زلة.. فأي تصوف هذا، إن كان للتصوف سمات وعلامات وآثار ففي مثل هذه الأحيان تظهر للعيان، ألم يقل الجنيد كما ذكروا لأحدهم في منامه لم تنفعنا غير الرُّكَيعات.. أي لم تنفعه غير العبادة المفروضة السنية لا الرقص والغناء وضرب المزاهر والطار.. وإني لأعجب كيف أن عالما كبيرا كابن عجيبة يسيطر عليه أحد هؤلاء المتصوفة فيحول حياته إلى ضنك وتقشف وعذاب.. فيما يسمى بالتجرّد، ولو سار في مساره الأول لأفاد أكثر مما هو عليه..
هذا مقالنا إن كان لغيرنا آذان يسمعون بها وأعين يبصرون بها، نحتن الآن في حاجة إلى مراجعة شاملة لماضينا، فإن تحدثنا عن التصوف صورناه كما هو لا كما نريد أن نصوره نحن لنخلب به ألباب الناس.. وليت شعري من يكون مريد الزاوية في يومنا، ولا تكاد تجد بها إلا شيبا.. إذ من الأصعب إقناع شاب بجدوى هذا كله إلا من كان يؤمها لحاجة في نفسه.
ألا يدعو ما سلف للتخوف من رجال التصوف، تخوفٌ من ضلالاتهم وبِدَعهم وأباطيلهم وشعبذتهم وجنونهم.. وما إليه مما هو مشهور منظور، لكن ما بال كلام التادلي في التشوف الذي صدرت به كلامك وهو يتحدث عن كثرة الأولياء ببلاد المغرب الأقصى، فما وجه الصواب فيه؟ أقول: نعم صَدَّرتُ بكلام التادلي ذاك كلامي، أما عن سؤالك فالتمسه عند محقق الكتاب، فهو أدرى بجوابه مني..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























أكتوبر 30th, 2007 at 30 أكتوبر 2007 9:40 م
جمييييل احسنت بارك الله فيك