الحلقة الرابعة
كتبهاسليم الديب ، في 15 يوليو 2007 الساعة: 19:11 م
مجموع الطُّرَف والمُلح الرّائجات
عن مراقبة الأئمة للمساجد بالدرّاجات
"هذه من المشروعات العجيبة التي تفتقت عنها عبقرية الوزير، والحق يقال فهي ذات بال، ولا يتنازع حولها اثنان. ذلك أن تجديد الإمامة والأئمة، والإرشاد والمرشدة (وليست هي مرشدة الهدي بن تومرت) من ضرورات زماننا هذا. فبعد تخرّج الأفواج الأولى من الأئمة والمرشدات، ولَوكِهِمْ أمام التلفزات، لما حفظوه وحصَّلوه، وقرّ في أذهانهم، على رغمهم، مما غدا كلاما مكرورا ذلك هو: المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والسلوك السني.. وإنما يَلوكون ذلك استضعافا وخشية تهديدات الوزير المذكور الذي حذّر بعض أفواجهم، في أول لقاء بهم، من أن الطاعن في دِعامة اليقين هذه، لا حَرج في أن يتركنا، من دون الحاجة إلى مُصانعتنا.. وكأني بهؤلاء الطلبة المساكين، يوافقون ويُدارون ابتغاء الرزق الدائم لا ائتلافا مع كلام الوزير ولا اختلافا.. هذا، وقد تخرَّج الفوج الأول، واستبشر الوزير وبطانته بقرب الفتح المبين، في مجال الدين، ولم تَكُ تلك الأيام إلا بداية المحنة، ثَمَرةً لضَعف الهمّة، فلم يلقوا إلى الأئمة بالا، ولم يحددوا لهم وظائف بل كانوا وبالا، والعلّة في ذلك كما يُشاع في أحيان، انتماءُ عمومهم إلى جماعة العدل والإحسان، فأُرسِلُوا إلى مندوبيات الأوقاف بالمدن الدانية والقاصية، وكان الجميع هنالك في غُنية عنهم، مما اضطرهم إلى الاشتغال بقراءة الجرائد وشرب الأتاي رغما عنهم، إذ لا عمل حُدّد لهم سَلفا، ولا منهاج يتخذونه خَلفا، وهم في الغالب الأعم مستضعفون، لأنهم في حقيقة الأمر متعاقدون (ويعني التعاقد في الملة المغربية الآنية الاشتغال مع ربّ العمل بعقدة يفسخها متى شاء)، فضاعت أموال البلاد بسبب قلّة تصرُّف العباد، والحديث في هذه البلوى ذو شجون، ولله في خلقه شؤون.
لَطيفة: زعموا أن ببلاد المغرب الأقصى طائفة من الذين يُسَمَّون أئمة، وهم الذين تخرجوا من مدرسة الأئمة، كانوا بلا شغل شاغل شطرا من الزمان، فرقّ فؤاد الوزير لمرآهم، ووَجَد الحل الأمثل لما حلّ بهم، فأمرهم بمراقبة نظرائهم من الأئمة في المساجد، ووجّه لهم لابتداء مهمتهم دراجات من التي تفرقع في سيرها، ولابد من الوَقود لمشيها، والتي تُسمّى في عُرف المغاربة "المُوتُور". فكان أن عمت الفرحة الأئمة زرافات، الذين تعبوا من ركوب الحافلات الرائحات والغاديات، فقد آن لهم أن يستفيدوا هم أيضا من بعض المِنَحِ الآتية من العاصمة، وصاروا يَدعون للوزير على الرَّغم من بلواهم القاصمة. فالدرّاجة أُرسلت إلى كل واحد واحد باسمه، واستعملوها في قضاء مآربهم، وإنها لعمري منقبة يا لها منقبة! ولكن لا ينسيَنَّ الواقف على هذا المكتوب، أن الغرض من إرسال الدراجات ليس بالطبع خدمة الأئمة والتخفيف عنهم، بل مبتغى الوزير المذكور مراقبة أئمة المساجد وتتبعهم في صلواتهم وخطبهم، ووعظهم وإرشادهم، وشهيقهم وزفيرهم.. فكأني بالإمام صاحب الدراجة صار شرطيا من دون بذلة، يرفع التقارير السرية ويسوّد المحاضر المبتذلة..
فَكَيفَ يُراقِبُ الإمامُ الإماما * ولم يكُ ذا مِنْ شِيَمِ الشَّرعِ لا وَلاَ
رَجْعٌ: ومادام الأمر على هذه الحال فلنرجع العنان إلى مقصدنا الذي هو ذكر جملة من الطُّرف والملُح الرائجات، عن الأئمة المراقبين لأئمة المساجد بالدراجات، مع التنبيه إلى أننا لسنا ممن يطعن في أئمتنا الكرام، الحاملين لواء الشريعة بالتمام:
حَاشَا للّه ليس منِّيَ شَيْءٌ * في ذُرَاه العَفِيِّ بالمكْدُودِ
وإنما قصدنا بهذا المكتوب التفكّه ووصف الحال والمآل، لا تَصَيُّد النقائص والمثالب وما إليها من الشوارد والضوال…"
تنبيه: انتهى ما وُجد كما وُجد من كتاب "مجموع الطُّرَف والمُلح الرّائجات، عن مراقبة الأئمة للمساجد بالدرّاجات" للعُبَيد الفَقير أبي البركات وقد وقفنا عليه في إضبارة بإحدى الخزائن الخاصة. وكان غرض المؤلف - والله أعلم- بَسطُ الطُّرف والملُح الرائجات عن الموضوع المومى إليه، لكنّه لم يتيسر له إتمامه، ومن شاءها فيلتمسها عند القُصّاص والظرفاء والإخباريين وجُمّاع المُلح والطُرف ومن أفواه الرجال الثقات، في كل موضع وثَنية، وقد حاولنا من الأمر جهدنا، ولفَّقنا بعضا من ذلك في ديوان من صُنعنا، لكنّا آثرنا إخفاءه، ولم نرد إفشاءه:
وَما زِلتُ عَن حَقِّ الأَئِمَّةِ دافِعاً * حَوادِثَ لَم يَعرِف لَها الناسُ مَدفَعا
* * * * *
في الحلقة القادمة
هذه قصّة التّوفيق والماجِدي وما جرى بينهما
من المُحاورة والمُداورة والمُناورة..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























