حاسُوبي الـأَول

كتبهاسليم الديب ، في 5 أبريل 2007 الساعة: 03:11 ص

هيه يا حاسوبي الأول.. يا شيخي الأسنّ الذي لقنني أول الأشياء.. ورسم لي أولى الخطى.. إن أنس لا أنس معلمي الأول.. فإليك السلام الأعطر مبعوثا من طويلب صغير.. إليك يا حاسوبي.. يا ذا الصندوق الكبير والشاشة الأكبر منه ذات الحدبة الظاهرة ظهورا بيّنا.. والفأرة التي تقودها كويرة صغيرة في وسطها.. ولوحة المفاتيح البيضاء الثقيلة ذات السُّمْك الغليظ.. وقارئ الأقراص الممغنطة ذات السعة الواحدة من الدرجة الميغابايت.. 1. كم أحن إليك بالذات أيتها الرقاقة المعدنية السوداء.. حين أشتريك من البائع فألتقطك بين أصابعي وألصق عليك ورقة عنوانك وعمرك وشخصيتك.. أينك الآن في زمان السي دي والدي في دي والوي إس بي والحواسيب ذات السعة المذهلة.. آه كم أحن إلى سماع طقطقاتك حين أدخلك في غرفتك الدافئة في صندوق الحاسوب وتبدئين في العمل للتسجيل أو للمسح أو غيره.. وغالبا ما كنت تتعطلين وألوذ أنا بالصمت والذهول.. أو أكاد أُجَنُّ من فرط الانتظار.. وحين يهديك الله وتفرجين عن مسوداتي ومبيضاتي المعتقلة عندك أسرع إلى تسجيلها ضمن ملفاتي وأسرع إلى تهيئتك أو إعادة تهيئتك ولما كنت ترفضين كنت أعاود الكرة حتى أفحمك أو تفحمينني.. وعندما أنتهي من عملي يتناهى إلي صوت طقطقاتك فأسارع إلى إخراجك لأن التعب قد بلغ منك مبلغه، وأودعك في سريرك في العلبة الحمراء ضمن صديقاتك الجميلات الرشيقات المتشابهات كثيرا مثل التوائم بل أكثر.. فاغفري لي زلاتي تجاهك وتجاه عائلتك وسلالتك التي بادت الآن.. أو كادت.2. أما أنت أيها الصندوق الكبير ( مثل برج إيفل فطالما أبيت الرضوخ لطلبي وتلكأت كعادتك في الاستجابة بسبب فيروس يستوطن إحدى جنباتك أو نتيجة لهرمك البيّن.. لكنك تقاوم لتلبية مطالبي الكثيرة وأنت تجاهد أنفاسك المتقطعة، كما تسعفني بالتحاور معك عبر الرسائل التي تظهرها على أختك الشاشة، فأغضب أو أسعد.. حسب ما ترسل. لكنك كنت نعم الخديم الطيّع ما وسعك الجهد والكد.. على الرغم من أن قرقراتك تكثر في معملك الخاص عند طلب لي إلا أنك تبالغ فيه أحيانا  وتجمد كل شيء فلا الفأرة تعمل ولا لوحة المفاتيح ولا الشاشة فيكون الكل جمودا كأن على رؤوسهم الطير.. فأنت السيّد وأنت الآمر لا المأمور.. هنيئا فالكل لك مطيعون ولكن نسيت أنني أنا من يمدك بما تبتغيه من كهرباء وتنظيف وصيانة.. لكن لا يهم بوركت يا سيدي ولك السمع والطاعة..3. أما أنت يا لوحة المفاتيح.. أيتها الطويلة.. الفارعة الطول.. ذات القطع البلاستيكية الصغيرة المرتبة الضمة لحروف لاتينية.. وتتناسين لغتك أو لغتي على الأقل.. وعندما لا أجد في مملكتك حرفا عربيا أستنجد بالبائع الذي يمدني بحروفنا على قطع ورقية صغيرة شفافة، فأعمد إلى البحث عن حروفنا ولصق كل واحد في محله.. كم هي متعبة هذه اللعبة.. كم كن بطيئا جدا في الكتابة على قطعك المرتبة ولا زلت.. كم كنت أستغرق في البحث عن حرف لأضغط عليه.. كنت تبدين لي حينذاك أشبه ببيداء مقفرة وكنت أشبه بمن يبحث عن واحة مخضرة في تلك البيداء.. ويأتي الفرج فأجد بغيتي في ركن من أركانك أو قبالة عيني ولكن لا تبصرون.. أما بعض القطع الأخرى المستعمرة لجانبك الأيمن فما زلت أجهل وظيفتها بالضبط وكانت بالنسبة إلي أشبه بجزر غير مستكشفة.. أراضٍ بِكر تحن إلى كريستوف كولومب أو ماجلان أو الفتية المغرورين.. لا يهم، فقد نسختك لوحات أخرى من فصيلتك تطورت بتسارع مذهل.. فظهرت الحروف العربية مطبوعة عليها وأضيفت قطع لها اختصاصات كثيرة سلبت لأختك الفأرة.. وكم كنت اجن ويعتريني الغضب حينما تبدأ قطعة "فضاء" (espace) في التهام حروفي الحزينة المغلوبة على أمرها فتتحول إلى وحش أشبه بقطعة مسح.. ولم أعرف كيف أبطل ذلك إلا بعد زمان أتى فيه الفضاء على حقولي المخضرة وعات فيها فسادا ما شاء له العتو.. لا غفر الله له.. 4. إيه أيتها الفأرة الجميلة الصغيرة الفَكِهة.. ذات الزرَّين والكويرة التي تنام في داخلك.. كم هو صعب التحكم فيك في بداياتي.. كان ذلك أشبه بتوازن بهلوان على حبل في سيرك.. هي العادة جعلتني أصادقك وصرت طيعة في يدي.. تدورين إلى اليمين وتارة إلى الشمال ويدور معك وجداني وفكري.. تفتحين وتقفلين وتحددين المساحات وتطرقين الأبواب وتلجين البيوتات الكثيرة من دون حاجة إلى استئذان.. ولابد من بساط ناعم مزركش تنامين عليه أو تتزحلقين يمنة ويسرة.. ولكن حينما تشيخين تبالغين في أنينك وتعطلك وتجمدين في مكانك أو تطلقين أصواتا من فم الصندوق الكبير الجاثم قربك.. كم تبدين مقززة آنذاك وغالبا ما كنت أضبط أعصابي لئلا أتجرأ فأضربك أو أكسرك أو أقذفك.. لكنني كنت أعمد إلى أحشائك فاستخرج الكويرة التي حاصرتها الطفيليات من كل جانب.. فأنظفك جيدا وأريحك قليلا.. وها أنت تعودين إلى سالف عصرك فتية نظيفة منطلقة.. إيه.. أما الآن فقد انقرضت أخواتك أو كدن بانبثاق الفأرة الضوئية بأشكال مختلفة الكبيرة والصغيرة والمتناهية في الصغر.. أو المحشوة في الحاسوب المحمول وهي المسطحة مثل ملعب تنس وتستعمل بالإصبع الواحد وليس بقبضة اليد كما كنت أنت.. 5. الشاشة ذات الحدبة الكبيرة.. كنت أستغرب كثيرا لحجمها الكبير.. ترى ما الذي تحمله خلفها.. إنها أشبه بامرأة حامل بتوأمين.. كنت ثقيلة أيتها الشاشة في حملك ونقلك وتنظيفك.. لكنك كنت عيني التي أرى بها فلولاك لما اشتغلت ولا رقنت ومسحت ولا تصفحت الأقراص والبرامج والملفات.. أنت تلفزتي الصغيرة الأنيقة.. ولأنك كنت تتعبينني بأشعتك اقتنيت لك نظارة سميكة لكي يفوق بصرك بصر زرقاء اليمامة.. ولا أنى أن أنظفك مما يترسب عليك وأبالغ في تجفيف وجهك لتبدين في زينتك قبل العمل.. ألا تحبين هكذا أيتها السيدة الأنيقة المتزينة.. تبدين رائعة عندما تكونين مطيعة غير ساخطة وغالبا ما تكونين كذلك إذ نادرا ما تعطلت أو رفضت الاستجابة.. ولكن عندما تفعلين ذلك يكون حدثا ذا بال.. فيسودُّ كل شيء.. فأستغيث بلوحة المفاتيح والفأرة والصندوق.. ولا من مجيب، ولا يكون من سبيل أمامي إلا وقف إمداد الكل بالكهرباء.. أين أنت الآن لتري أخواتك المتطورات كثيرا واللائي استطعن القيام بعمليات تجميل مكلِّفة فتخلص من الحدبة وصرن رشيقات أكثر منك بكثير حتى أنه لا يمكن موازنتك بهن من حيث الحجم والشكل والصورة.. لكنك عزيزة لدي وستبقين كذلك أنت والفأرة واللوحة والصندوق وقارئ الأقراص.. وصديقي العزيز الأعز الوورد (WORD).. صديقي القديم الذي رتعت في أحضانه مددا من الزمان ولا زلت.. سلامي إليكم جميعا.. أنتم أحبتي الأولون والآخرون.. سلاما عطرا شذيا مثل المسك الأذفر.. سلاما بعدد الحروف التي رقنت.. والملفات التي خزّنت.. والبرامج التي أتقنت.. والانتظارت التي انتظرت.. والساعات التي اشتغلت.. سلامي إليك يا حاسوبي الأول..سليم الديب4 أبريل 2007

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر